مصطفى صادق الرافعي

184

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

يخرج من وجوه العادة في تصريفها ، وسنن أهلها في إبراز معانيها ، وهذا أمر يقع فيه التفاوت ، ويخرج بعضه إلى الإحكام وبعضه إلى التسامح وبعضه أمر بين ذلك ؛ لأن حالات المعاني مختلفة مع النفس فبعضها مما ينقاد ، وبعضها مما يستكره ؛ ثم النفوس مختلفة على حسب ذلك جماما ونشاطا أو ضعفا وتخاذلا ، ومهما يكن في آثارها من بلاغة المعاني وإحكامها ، ورونق العبارة ونظامها ، فإن نفسا أنفذ من نفس ، وحسا أدقّ من حس ، وقوة أبلغ من قوة ، وإحاطة أوسع من إحاطة . ومن هاهنا نجد العبارة البليغة الواحدة كثيرا ما تقع المواقع المختلفة على طبقات متعددة في أهل النظر حين يتأملونها ويصفونها ، فإن بقيت على بلاغتها مع جميعهم لم يردّها أحد ولا أنكرها ، فلا بد من اختلاف هذه البلاغة حينئذ حتى تكون عند أقواهم كأنها ما هي عند أضعفهم ، وحتى يخيّل إلى الضعيف أن القويّ إنما يتعنت في حكمه ويذهب بنفسه مذهب قوته ، ويخيّل إلى هذا القوي أن الضعيف لا يمحض نفسه ولا يستقصي في نظره ولا يقول بعلم ؛ ولكل وجهة هو مولّيها ، وإنما اختلاف بينهم من حيث اختلفت القوى . فصل الطريقة النفسية في الطريقة اللسانية والقرآن وإن كان لم يخرج عن أعلى طبقات اللغة ، ولا برز عن وجوه العادة في تصريفها ، غير أنه أتى بذلك من وراء النفس لا من وراء اللسان . فجعل من نظمه طريقة نفسية في الطريقة اللسانية ، وأدار المعاني على سنن ووجوه تجعل الألفاظ كأنها مذهب هذه المعاني في النفس ، فليس إلا أن تقرأ الآية على العربي أو من هو في حكمه لغة وبلاغة ، حتى تذهب في نفسه مذهبها : لا تني ولا تتخلّف ، على حين أن أكثر المعاني الإنسانية يجيء من النقص في السياسة البيانية ، بحيث ترى نفس السامع أو القارئ هي التي تذهب فيه فتأخذ إلى جهة وتعدل عن جهة ، وتصعد في ناحية وتستبطن في ناحية أخرى ، ولا يكون من شأنها أن تنقاد وتذعن ، ولكن أن تكابر وتأبى أو تتصفح وتستدرك أو تستحسن وتزدري ؛ لأن المعنى قد ألقي إليها في ألفاظ تقصر بحقيقته النفسية في تركيبها ونظمها أو تضعف هذه الحقيقة ، أو تلبسها بغيرها ، أو تهمل تصورها لونا من الألوان ، أو تجيء بها على الشبه والمحاكاة مما لا يبلغ الحقّ في تصورها والتنبيه عليها . وقلما تصيب لأحد من بلغاء الناس كلاما قد أحكمت ألفاظه من هذه الوجوه كلها ، فإنك لتستطيع أن تجد في كل كلام بليغ معاني قد جلبت لألفاظها ، ولكنك لا تستطيع أن تجد في القرآن كله إلا ألفاظا لمعانيها ، وإن فتشت وجهدت وطلبت في ذلك